الجمعة 3 أيلول 2010

ص13ص12

الموسيقيون الشباب كيف يؤلفون وينتجون ويعملون ويصدرون أعمالهم

التفرّغ للعمل الموسيقي البحت في بلدنا لا يُسمن ولا يُغني من جوع



الموسيقيون الشباب كيف يؤلفون وينتجون ويعملون ويصدرون أعمالهم

التفرّغ للعمل الموسيقي البحت في بلدنا لا يُسمن ولا يُغني من جوع

المستقبل - السبت 26 كانون الأول 2009 - العدد S1880 - ثقافة و فنون - صفحة 12


سحر طه

مع تطوّر الماكنة الإعلامية والمنافسة الحامية بين الفضائيات، تستحوذ الأغنية المصورة على الجمهور ويزداد عدد المغنين بشكل متسارع، فتزدحم الشاشات بأسماء لا تحصى ويعاد بث الأغنية مرات عديدة يومياً، هذا إلى جانب دعم شركات الإنتاج لهؤلاء عبر إصدارها ألبومات يذهب معظمها أدراج الرياح، لا تُسمع أو تُصور فيديوكليب، تكلف الشركة أموالاً طائلة، أثماناً للألحان ولكتّاب الأغنيات وللموزعين الموسيقيين وللعازفين إضافة إلى تكاليف ساعات التسجيل في الاستديو، ناهيك عن تكاليف الدعاية والإعلان، التي تصل أحياناً الى مئات الآلاف من الدولارات.
رغم هذه الفورة الغنائية غير المسبوقة التي تضم اليوم كل من فتح فاه، نلمس ظاهرة وإن خجولة في لبنان وهي اتجاه الموسيقيين الشباب نحو الموسيقى البحتة، عزفاً وتأليفاً موسيقياً، بشكل فردي أحياناً وجماعي غالباً، وهم نتاج سنوات ما بعد الحرب اللبنانية وجيل ما بعد زياد الرحباني، ربما تأثر معظمه بتجربته في موسيقى الجاز الشرقي، وقد تكون الظاهرة ردّ فعل تجاه انتشار الأغنية وسيادتها.
لمسنا لدى غالبية الشباب المشتغلين بالموسيقى، بعيداً من الرقص والإيقاع المستهلكين في الفيديوكليبات، إجماعاً على صعوبة الاستمرار في العمل على مشروعه الموسيقي بسبب معوقات تقف في وجهه، وبالتالي تؤدي بالكثيرين إلى ترك هذا المجال والتوجه نحو الأغنية سواء عزفاً ضمن الفرقة الموسيقية، أو تلحيناً أو توزيعاً. ويبحث عن سبل أخرى تعيله وينفذ من خلالها أطماحه، البعض الآخر متفائل ويستمر في كتابة الموسيقى ويأمل ازدياد عدد زملائه وما بينهما هناك من وجد الحل الوسط، فعمل في مجالات أخرى قد تبتعد عن الموسيقى كمورد للعيش، وفي أوقات فراغه وحين يريد تنظيف أذنيه يعود إلى الموسيقى .
التقت "المستقبل" عدداً من الموسيقيين اللبنانيين الشباب، استفسرتهم حول المعوقات التي تواجههم،ونقلت آراءهم وشكواهم من الوضع الفني السائد، وذلك عبر الأسئلة التي وجهناها إليهم على التوالي:
[ هل تتمكن من التفرغ للفرقة الموسيقية أو المجموعة الصغيرة التي أسستها. هل الفرقة هي مصدر الرزق الوحيد، وبالتالي هل تقومون بالتمرينات المكثفة، والكتابة الموسيقية الخاصة بها، وتنفيذ الأفكار التي تضعونها براحة وتأنٍّ. وهل يتحلى الأفراد بروح الجماعة وتقبل رأي الآخر؟
[ هل تواجهون صعوبة في إحياء الحفلات. يعني هل هناك طلب على حفلاتكم الموسيقية، إلى أي مدى؟ وما الجهات التي تتبنى أمسياتكم أو تدعوكم إلى إحياء مناسباتها؟ وما هي الأعمار التي تُقبل عليكم؟ وهل يوازي الإقبال على الحفلات الغنائية ونجومها؟
[ صعوبات التأليف الموسيقي في ظل عدم وجود، أو إتاحة عازفين بعينهم على آلات معينة لتلبية الأفكار، والتكاليف لمثل هذه الكتابة الموسيقية لأوركسترا أو فرقة كبيرة، وبالتالي فهل ترى مثل هذه المؤلفات النور؟
[ هل تجدون منتجاً لأعمالكم بسهولة أم تضطرون لتسجيل موسيقاكم على نفقتكم الخاصة، ثم تبحثون عن شركة لتسويقها؟
[ وفي النهاية ما الذي يدفعكم إلى الاستمرار في عملكم الموسيقي رغم تعدد الصعوبات. هل هو العشق، التحدي، أم ماذ؟

شركات الإنتاج تهرع الى المغنّين وتهرب من الموسيقيين الجادّين



هاني سبليني
(مؤلف موسيقي وعازف بيانو)

قبل عشر سنوات كان الحلم الموسيقي يراودني وخرجت من خلاله عن نطاق الفردية إلى العمل الجماعي ضمن فريق عمل مخلص ومتفاني، وبخاصة أيام كنا مازلنا في الجامعة حين كان الفرد للجماعة. عملنا في الفرقة يداً واحدة، لكن الحياة لها شروط ومصالح عامة، وقسوة تفرق الأيدي ويجعل تحقيق الحلم دونه صعوبات.
في الفرق العالمية دائماً هناك الفرد، الـ"صولو"، شخص يعزف أو آخر يغني منفرداً. والموسيقى كمشروع جماعي لطالما نجده ينطلق ثم يتوقف وينفرط عقد الموسيقيين. فالموسيقي في الغالب أناني، بل أنانيته مفرطة، وهي ما تحبط مشروعه ولا تساعده على استكمال أي مشروع جماعي إلا في ظروف نادرة. فهو يجد لديه فكرة أو أفكاراً، وحضوراً طاغياً، ينتج عنه نجاحات معينة ما تلبث أن تبدأ بالتلاعب به وصولاً إلى التفكك، والانفصال وبالتالي نجد إن الجماعات أو أعضاء الفرق في تغيّر دائم واستمرار اسم الفرقة لا يعني بقاء أعضائها أنفسهم طوال السنوات الماضية.
لقد كنت لفترة طويلة عضواً في فرق عدّة، جاز، روك وغيرهما. مثلاً في "فايروس" كنا "كوارتت" أي رباعي ثم بقينا "تريو" ثلاثة أشخاص. منذ عام حملت مشروعي الموسيقي مع شربل روحانا، وكانت لسنوات مجموعة ناجحة وحفلاتنا يحضرها الشباب لكن لم نستطع الاستمرار لأسباب كثيرة. ثم كانت هناك فكرة ثانية اسمها "جذور" مع ميشيل أسعد عازف العود، جمعنا برنامجاً من مقطوعات شرقية مثل الأدوار والموشحات والمعزوفات لكن الفرقة لم تلق الرواج الذي كنا نأمله، فانفرطت.
أعتقد أن المسألة لها علاقة بوجود قائد. فلا بد في الموسيقى من وجود من يوحّد المجموعة ويقودها منذ البداية وحتى النهاية. ليس من الضروري أن يكون مؤلف الموسيقى في الفرقة هو القائد. لكن الضروري وجود عامل فاعل أو شخص موهوب ومحرّك.
الفرقة عادة تجتمع حباً بالعمل الموسيقي، لكن الظروف المعيشية والمادية لا تشجعنا على التفرغ لها، لذلك نضطر إلى العزف في أماكن السهر الليلية والنوادي والمطاعم، مما يؤمن لنا مردوداً شهرياً يساعد على العيش.
بالنسبة للموسيقى فليس لدي نوع أفضل من الآخر. لقد كانت تجربة جميلة مع شربل روحانا عام ، وأصدرنا أسطوانة "مدى" التي نالت الكثير من الرواج بين الشباب، لكن جماهيرياً لم نحظ بتلفون واحد يطلب منا عزفه في أمسية. خذي مثلاً، توفيق فروخ الذي نال أكبر الجوائز وهو مرشح اليوم لأرفع جائزة عالمية أين هو من الأمسيات اللبنانية ومن يهتم لأمره أو يعرف عنه. هناك قلة من الموسيقيين لديهم أفكار لا تقدر بثمن، لكن ليس هناك من يقدرها في بلدنا.
اليوم تُطلب مني بعض المشاريع الموسيقية، لكن ماهي؟ هنا السؤال. المشكلة عادة هناك شروط ما لتلبية أي طلب. المهم أن الباب مغلق بوجهنا، وأمام مثل هذه الأعمال. أصبح كل منا يؤّمن نتاجه بطريقته الخاصة. مثلاً شربل روحانا ينتج على حسابه الخاص، أنا غير مستعد للأمر، وليس باليد سوى البحث عن بدائل، وإلا سوف أبقى أعزف في البلونوت.
أما المهرجانات اللبنانية فهي عبارة عن مجموعة من اللجان المتكبرة، المتعالية على الموسيقي اللبناني. هي تدفع أموالاً للدعاية لفرق أو فنانين من العالم وتستنكف عن دعوة لبناني إلا فيما ندر. مثلاً نحمد الله على مشروع أمسية زاد ملتقى مع فادية الحاج في بيت الدين، أو مرسيل مثلاً، ونجد نتيجة للدعاية الحفلات تمتلئ بأكثر من ستة آلاف شخص. لا بأس نقبل بشروطهم لكن ليشجعوا الشباب اللبناني. لماذا، مثلاً، يدفعون لفرقة "كركلا" الأموال الطائلة لإنتاج عمل فني ضخم، ولا يتم مثل ذلك أو أقل منه لموسيقيين شباب.
بصراحة أنا متشائم لدرجة كبيرة، و"محشور"، ومتأسف لأن أخلاق الشباب وأذواقهم تحولت إلى المعيشة، وليس الموسيقى.
عبود السعدي
(موزع موسيقي وعازف غيتار)
حين تكون الموسيقى هواية فإن العمل في الموسيقى البحتة وضمن الفرق الجماعية فيها متعة وبالتالي ليس في الأمر مشكلة. الموسيقى من أجل الموسيقى عملية مسلية وفيها بعض المردود المادي. لكن المشكلة تتجسد حين يريدها الفنان أن تصبح مهنته، إذ تحتاج إلى تفرغ، والتفرغ مشكلة بحد ذاته.
وفي بلدنا التفرغ للعمل الموسيقي البحت لا يسمن ولا يغني من جوع. لذلك فإنه يضطر إلى البحث عن موارد أخرى ومهن قد لا تمت أحياناً إلى الموسيقى بصلة. تخيلي إنه حين يتفرغ لفرقة موسيقية معينة، وكل وقته لها، وفي المقابل ليس هناك من نشاطات أو حفلات للفرقة ترد لهم مصاريف تفرغهم من وقت وجهد وانتقال من مكان إلى آخر وغير ذلك فماذا تكون النتيجة؟ التفرغ لا يحدث أو يمكن الحديث عنه سوى في الغرب وحين تصبح الفرقة ذات اسم كبير "ضاربة" بالمعنى الدارج، فتعيش من حفلاتها وأسطواناتها والشركات التي تتنتج لها أو توقع معها عقود إنتاج.
من هنا نعاني كثيراً في عملنا ضمن الفرق الجادة، إذ نجد المعوقات المادية أولاً تمنع الاجتماع والتمرن، لذلك برنامج الفرق قليلاً ما يشهد تغيراً كبيراً، فلا جديد فيه، سوى أن الجاز على سبيل المثال، الجيد فيه إنه يتضمن ارتجالات تتغير من دون أن تتغير المعزوفات، وتعتمد على "المرتجل" الصولو الذي يعرف اللعب ضمن هذا النمط، منهم يحفظون جيداً ومشبعين مثل موسيقيين عديدين أعمل معهم مثل عازف البيانو الأرمني آرثور ساتيان، والبريطاني المقيم في لبنان جاك بريل إذ مرّ عليهم كثيرين من عازفي أو مغني الجاز ولديهم خبرة جيدة في الارتجال.
شخصياً ومثلي كثيرون، أضطر للعمل في فرق عديدة لا فرقة واحدة، وفي مشاريع متعددة أولاً للتنفيس وثانياً لكسب العيش لكن في حدود معقولة، لأن العمل الليلي مع فرق النوادي والمطاعم يعتبر مستنقعاً من الممكن جداً أن يغرق الموسيقي فيه.
أما ما نسمعه أو نشاهده هنا وهناك في بعض الفرق، منها ما يدخل الغيتار الإسباني أو البيانو أو إيقاع الصلصا على أغنية عربية أو غيره، ويقولون عنه تطوير، فهو أبعد ما يكون عن ذلك، إذ تصبح الموسيقى هجينة لا هي كوبية ولا هي عربية وهلمّ جرّا.
هناك كم ضئيل من الفنانين يعملون بصمت وبجهد ذاتي أعتبر العمل معهم ليس مضيعة للوقت ولا لكسب العيش بل لاكتساب خبرة جيدة وعلاقة صداقة ضرورية، مثل مارسيل خليفة، شربل روحانا وزياد الرحباني الذي أعمل معه منذ وحتى اليوم، يعني عِشرة عمر.
وقمت بتوزيع موسيقى لزياد بطرس وجوليا، وأعتبر نفسي مازلت أملك هامشاً من الحرية ضمن التوزيع الموسيقي أو العزف في الفرق، منها كسب تجارب وخبرة كما قلت وبخاصة في الموسيقى الشرقية.
فيما خص الطلب على الموسيقى البحتة، أحياناً يطلب منا تقديم حفلة في مهرجان، أو نتعاقد مع نادي "PoP" جاز أو روك أو بلوز. وأجد أن الجمهور ينقص، ولا يهتم بسماع الموسيقى، بل "مخّه فيه ريفليكس ع السمع"، صارت القصة رقص وبس. لست ضده لكن يجب أن يعي أن المسائل ليست رقصاً فقط، هناك مسؤولية تقع على الميديا، الصحافة، الإعلام المرئي والمسموع.
المحطات هامة للتوعية وليتها تستغل شعبيتها لتمرير بعض البرامج الموسيقية التي تثقف الأذن ولها مصداقية مع الجمهور. لكن أعتقد أن لا أمل في الوقت الحاضر وفي المنطقة ككل، لا أقول متشائم لكن هذا هو الواقع.
حين يأتي أجنبي يتقاطر الجمهور ويعتقد بأنه سيسمع موسيقى خارقة للعادة، لكنها غالباً مسألة "بوزات" فهو قد لا يعرف عن هذا الموسيقي سوى اسمه ربما، لكن يجب أن يحضر حفلته وأن يكون اسمه موجوداً حين التحدث عن المهرجانات، مثلاً، التي نحن أيضاً في لبنان لا نعرف "كوعها من بوعها".
في كل مرة أود أن أضع فكرة موسيقية، مقطوعة، أو توزيع ما، أواجه مشكلة، إذ أفكر وأسأل هل أكتبها بشكل كامل للآلات الموسيقية؟ أم هل أستغني عن الكمنجات مثلاً وأستخدمها من الكيبورد، أم أضع هذه الآلة هنا وأستغني عن تلك هناك حسب الموجود أو حسب الميزانية الموضوعة للعمل. لقد قمت بكتابة موسيقى لبعض البرامج كخلفية أو "بروموشن" للبرنامج أو غيره ولعدة محطات تلفزيونية، برنامج "CBM" لمحطة MBC كوميدي بالمقلوب. كتبت العمل لثمانية عازفين على سبيل المثال. وكذلك أكتب خلفيات موسيقية لمناسبات معينة مثل الأعراس، هذه الأعمال هي المصدر الأساسي للمردود المادي، وبسببها نستطيع الاستمرار بعملنا الموسيقي لا من خلال الفرق الموسيقية والعمل الجاد.
حين نود إصدار كاسيت أو أسطوانة فإننا لا نجد من يتبناها، إلا المؤسسة أو ربما الفرد المستعد للمغامرة أو المجازفة مثلنا، وهنا لا أذيع سراً حين آتي بمؤسسة "CD. Teque" كمثال لهؤلاء المجازفين الذين يساهمون مع الفنان في إنتاج بعض الأعمال الجادة وفي الوقت نفسه لديهم المعرفة في تسويق هذه الأعمال.
وأعتقد أن معظم الشركات حتى خارج لبنان تعتبر الأعمال الموسيقية غير ذات جدوى أو ربح مادي أو أنها محدودة الربح. لذلك كثيرون ممن بدأت وإياهم في الموسيقي غادروها أو اتجهوا إلى غيرها، ذلك أن الموسيقى حالة خاصة وفي حال لم تكن الموسيقى منغرسة في جذوره لن يستمر فيها، وهناك أمثلة على موسيقيين من عيارات ثقيلة، ومعروفين في بلادنا وفي الخارج غادروا حين وصلوا إلى حائط مسدود.
جويل خوري
(مؤلفة موسيقية وعازفة بيانو)

صدرت لها أخيراً أسطوانة فيها إحدى عشرة معزوفة من تأليفها، تشكو جويل خوري من مشكلة ثنائية: الموسيقيين اللبنانيين الذين يفكرون بثمن ساعات العمل قبل أي شيء آخر، وصعوبة التعامل مع الموسيقي الأجنبي المتعاقد مع الأوركسترا الوطنية اللبنانية إذ يحتاج إلى إذن خاص من الدولة للعمل خارج إطار الأوركسترا.
تقول: الفرقة الموسيقية خارج بلادنا، متماسكة، والموسيقي يعمل من دون أن يضع في اعتباره المال. يؤمن ويضحي بالوقت من دون وعد بمردود أو ربح، عكس الموسيقي في بلدنا، هو لا ذنب له في هذا الأمر إذ لا دولة ترعى الفنان أو تؤمن له المعيشة الكريمة كموسيقي.
مشكلة كبيرة أعاني منها كلما أردت تنفيذ مشروع، مرة طلبت الاستعانة بالأوركسترا الوطنية اللبنانية، وأشار علي الأستاذ وليد غلمية الاستعانة بالموسيقيين اللبنانيين، فكانت شروطهم تعجيزية وبصراحة، هم يجدون صعوبة في الإيمان بامرأة تكتب موسيقى. من ناحية أخرى الموسيقيون الأجانب المتعاقدون مع السيمفونية الوطنية اللبنانية، علينا استحصال إذن من الدولة كلما أردنا الاستعانة بهم، فتصبح المسألة "شحادة". وليت الموسيقيين اللبنانيين شعروا معي وشجعوا الفكرة لهان الأمر، إلا أنهم يتعاملون مع الفكرة وكأنهم يحيون كوكتيل عرس، وليس موسيقى جدية.
أما من ناحية الطلب على الموسيقى فالحالة الاقتصادية متدهورة. بقيت فترة طويلة أكتب مقطوعات للاسطوانة الجديدة، والحفلات قليلة جداً ويبدو أن "الراعين" أو "المعلنين" لا يجدون في موسيقانا مصدر ربح لذلك فهم يهربون من رعاية حفلاتنا.
في العام أنتجت لي شركة "E A C" أسطوانة وكان صاحبها أمين بيهم، يحاول تقديم موسيقى جيدة بعيداً عن التجارة والإسفاف، لكنه أفلس، وهو اليوم خارج لبنان، لأنه يئس من الوضع الفني هنا، ومنذ ذلك الوقت أصابني اليأس والإحباط.
أنا أستمر بكتابة الموسيقي رغم ذلك لأني لا أعرف غيرها مهنة، لذلك مهما تعبت مع الشركات الراعية أو المنتجين سوف أستمر بالكتابة، صحيح أنا متشائمة محبطة لكن لا فرار، أجبر نفسي على العمل وإلا معنى ذلك التقوقع والاعتزال.
رمزي أبو كامل
(مؤلف موسيقي وعازف غيتار كلاسيك)
يشكو أبو كامل من تدهور الوضع الاقتصادي وتدني مستوى السمع والذوق والإعلام العربي الفاسد الذي يتحكم بالوضع الفني، والموسيقي خاصة.
ـ المادة تشكل الأساس للمعيشة لذلك فهي تعتبر أولوية للعازف أو الموسيقي. والظروف الاقتصادية صعبة للغاية، فهو من أجل المشاركة في عمل موسيقي يحتاج إلى مصاريف للمواصلات والوقت وغيره. أنا مثلاً أعيش خارج بيروت وأعيش المشلكة، ومثلي آخرون، وإن امتلكوا روح التضحية واندفاع الشباب إلا أن المادة تفرض نفسها كحقيقة وواقع لا مفر منهما.
من جهة إعلامنا العربي بشكل عام موجه إلى نوع واحد من الفن، يتاجر بالشباب من خلال تسويق الفساد. يومياً تبث عشرات الأغاني يتم تغليبها على الموروث والجاد الذي يحذف من برامجها. نحن الموسيقيين عددنا قليل، الشركات الكبيرة لا تلتفت إلينا، بل تقوم بحملة إعلامية لتسويق الإسفاف، وهم اليوم يتحكمون بحياة الناس إذ صار التلفزيون من أهم السلع في البيت، ومن خلال الإلحاح في الدعاية لكل ما هو رخيص يبتعد عن الفن والأخلاق والثقافة ونادراً ما نستمع إلى موسيقى إنسانية بحتة.
من هنا أيضاً فإن الطلب على حفلات موسيقية من دون غناء، أصبح نادراً، فماذا ننتظر من مجتمع تُمسح ذاكرته يومياً، وتُملأ بهذا النمط الأوحد من الفن، فبالتأكيد خيارات المجتمع محصورة بهذا المستوى. وفي اعتقادي أنها خطة مدروسة كي ينحدر الفن العربي عموماً إذ ينطبق الأمر على كل المجالات الإبداعية الأخرى من مسرح، رواية، أدب وغيرها وأرى أننا لن نخرج من هذه الدوامة، التي تتمثل بتجهيز الناس لاستهلاك الفن "المقرف" حتى لا يعود لديهم خيار.
صارت الموسيقى سلعة مطروحة في سوق كبير ويجب الترويج لها بحيث تجلب مداخيل هائلة. الكثير من الأعمال الجيدة طريحة الرفوف والأدراج وطيّ الدفاتر، فالتجار، للأسف يريدون سندويشات سريعة الاستهلاك، فيما يزداد عدد القنوات الفضائية التي تكرس المشروع الاستهلاكي هذا: "ميلودي"، "مزيكا"، "روتانا"، "أوربت"، و "A R T"، وأسماء لا حصر لها والتنافس بينها محموم وكلها جزء من حلقة كبيرة تضم: الملحن، الكاتب، مصمم الثياب، شركات تصدير الراقصين والراقصات، الكل داخل في حلقة إفساد البشر. مشاريع فنية نحن بعيدون عنها تماماً. لهذا لن أكتب موسيقى معينة لآلات تكون البديل، فالناس غير مستعدة لاستيعاب هكذا فنون، لا يرغبون بالهدوء، بالسماع، بالتفكير والتحليل، الشباب يريد التنفيس عبر الرقص والهزّ فقط.
ما يؤلمنا أكثر حين نسافر إلى خارج حدود بلدنا، ففي آخر جولة لي بين بلغاريا وتركيا ورومانيا، وجدت الكثير من التشابه بيننا وبينهم من ناحية الفن السائد، لكن اللافت أن الخراب عندهم أقل. فهناك دائماً من يشجع المسرح القومي والأوركسترا الوطنية وهناك طلب على الموسيقى الملتزمة، فلماذا أصبحنا في لبنان بهذا الإنكار للفن الجيد.
من جهتي أنا مستمر نتيجة الإرادة والرغبة في الحياة، "صراع من أجل البقاء". وضعنا أشبه بالإنسان المريض الذي لا بد أن يقاوم المرض حتى آخر رمق. لهذا أتمسك قدر إمكاني وأكمل ولا أتنازل ولن أتاجر بالعطية، أعي المصاعب وما يحدث من حولي لذلك لن أنغمس في الوحل.
أؤمن بمبدأ التربية. وأحاول بناء جيل مستمع في المدرسة التي أعلم بها، من خلال مقاربات ومقارنات بين العمل الموسيقي الجاد الذي يحمل فكراً وبين التجارب الأخرى، وأدع التلميذ يحكم فيما بعد. وفي هذا أمل ما وإن كان لدي تلاميذ معدودون إلا أن الكحل أفضل من العمى.
شربل روحانا
(مؤلف موسيقي وعازف عود)
ـ أي عمل موسيقي جماعي يجب أن تتوافر فيه النية والرغبة الجادة في العمل من قبل العازفين. ومن ثم توفر الدعم المادي لهذه المجموعة. والدعم يجب أن يأتي إما من صاحب المجموعة، مؤسّسها أو من مؤسسة ثقافية كبيرة قادرة أو من لجنة مهرجانات تكلّف ـ على سبيل المثال ـ فرقة موسيقية لتنفيذ مادة موسيقية ما، أو من مؤسسة تابعة للدولة كوزارة الثقافة مثلاً أو غيرها.
هذا يصعب تحقيقه حالياً نتيجة فقدان كل هذه المتطلبات في لبنان. لذلك نلاحظ أن فرقتين هامتين في لبنان، تابعتين للكونسرفتوار هما السيمفونية الوطنية والأوركسترا الشرق عربية، هما القادرتان على الاستمرار، لأنهما مدعومتان من الدولة. أعضاء الفرقتين مكتفون مادياً، لأنهم ينالون رواتب شهرية، من هنا هم متفرغون تماماً لعملهم هذا ويلتقون للتمارين بشكل دوري وإجباري، وأمسياتهم مجانية للجمهور لذلك أيضاً فالجمهور حاضر بشكل دائم في أمسياتهما.
أما خارج إطار الفرقتين فالأمور صعبة. الفرق الخاصة غير مدعومة مادياً. وحين تأتي الفكرة لكتابة عمل ما، أفكر بالعازفين الذين يمكن أن يؤدوا العمل ويستمرون لفترة طويلة معي لكن لا أستطيع إجبارهم على التفرغ لمشروعي، لذلك أنا من موسيقيين عدة لا يمكنهم الاعتماد على موسيقيين وأعضاء بعينهم.
أيضاً قلة الطلب على الأمسيات الموسيقية بشكل عام بسبب الاتجاه نحو الأغنية، يؤدي إلى حالة اليأس والإحباط. فنرى النجوم التي تتلألأ كل يوم في الساحات الغنائية والمهرجانات وفي مقابلها واحد بالألف حفلة موسيقية. وفي حال جاءنا طلب يكون من جهة ثقافية أو خيرية والمردود منها ضئيل أو معدوم أحياناً فيقل نتيجة لذلك عدد العازفين. وأحياناً يجبر الموسيقي على العزف منفرداً، لكن من لديه أفكار موسيقية يصعب عليه الاستمرار في هذا النمط من الأداء. من هنا الاتجاه يصبح نحو الفرق الموسيقية المتواضعة، نحاول من خلالها قدر الإمكان إيصال الفكرة أو الرسالة فيستوعبها المشاهد أو المستمع.
أما على صعيد الكتابة للآلات الموسيقية، فإن العازفين في لبنان أصبحوا معروفين ويعدون على الأصابع، وبالتالي فالكتابة للموجود. أحياناً أتمنى أن أكتب موسيقى لفرقة في أي بلد يمكن أن تنفذها. مثلاً لآلة الكلارينيت، ليس كما هي في السيمفونية، لكن بطريقة فولكلورية عربية، وربما ضمن الشروط أضطر للبحث عنها خارج لبنان. هذا على سبيل المثال، وينطبق الأمر على أي آلة أخرى. لكن الشروط الإنتاجية صعبة جداً في لبنان، وفي حال قررت التعاون مع عازف من الخارج لتنفيذ أفكاري فإن الأمر بحاجة إلى تكاليف كبيرة من سفر وإقامة وتمارين وتنفيذ وغيرها. لكن مثل هذا التعاون يشكل غنى للمادة الموسيقية وحسب أهمية المؤلف والعازف معاً.
في فترات عدة كنت أجهد في سبيل إيجاد شركة لإنتاج أسطواناتي. لكني قررت أخيراً عدم انتظار الشركات، فأصبحت أنتج لنفسي. كما في أسطوانة "والعكس صحيح" من حسابي الخاص إذ لم أوفق بشركة تتبناها حتى تلك التي تعاملت معها في السابق. في السابق حالفني الحظ في إيجاد شركات إنتاج، لكن منذ سنوات أصبحت تتطلب مادة مختلفة، سريعة الاستهلاك، سهلة، وإغراء الربح يضغط عليها من كافة جوانبه، فلم يعد هناك وقت للتفكير بأهمية المادة الموسيقية وأصالتها وعمقها، بل بالموجة وكيف يركبها، فيما أنا ومثلي البعض ممن لا يمكنهم مجاراتها ولا أجيد سوى السباحة في مكاني هذا وأتمنى أن نجد دائماً متنفساً لأعمالنا.
من ناحية الأنماط الموسيقية، شخصياً لدي صراع دائم. فأنا أعشق كتابة الموسيقى والعزف على العود، وكنت بدأت بالغناء قبل أن تأخذني الموسيقى والعود منه. يومياً أفكر كيف يمكن أن أوفق بين هذه الأمور التي أحب العمل فيها. هل ألحن أغنية هل أحضّر ورشة للعود أم أكتب تمارين معزوفات للآلة، أم أحضر لمشروع موسيقي. وحتى اليوم للموسيقى حصة الأسد. هذا لا يمنع إنني أحضر للعام المقبل لمشروعين أحدهما للعود المنفرد، والثاني غنائي لم تتضح معالمه بعد، وهذه حرية أتحمل نتائجها.
في المقابل ما زلت متفائل. فالموسيقيون يلتقون بدعم أو من دونه ولو لفترة قصيرة. وأعتقد أن المسؤولية تقع على المؤسسات ومنها الكونسرفتوار أو المعاهد الموسيقية بعامة، في دعم الطلاب. ومهمة الأجيال أن تتلاقى وتؤكد تجربتها وتنطلق في المجتمع إذا كان بالفعل لديهم نية أو رغبة في تفجير موهبتهم، ولدينا طلاب يحملون هاجس الموسيقى بشكل كبير لكن مع الأسف لا يجدون ما يشجعهم على إكمال الطريق والتفرغ، فهم بعد فترة من الاندفاع وتأليف المجموعات يصطدمون بواقع يحمل الكثير من المشاكل، يكتشفونها رويداً بالممارسة، وكلما كبر طموحهم كبرت الصعوبات.
شادي...
(موسيقي وعازف غيتار)

مسألة التفرغ صعبة في لبنان، فالموسيقي لا يمكنه الاتكال على فرقة واحدة ليعيش من مردودها. فأنا مثلاً لا أعمل سوى بالموسيقى لكني أشارك في فرق عدة لا فرقة واحدة. لذلك أستطيع القول إن الأمور المادية "ماشية" إلى حد ما.
منذ فترة طويلة أعزف البلوز والروك وبعض العربي، وأعزف غيتار مع "وان مان شو" عربي، وهي مسألة يمكن اعتبارها "سلبِة" حسب الدارج، فهي شكل أكثر منها عملاً، وهي تناسب أجواء السهر الليلية ليس أكثر. المهم إنني "حابب" الشغلة.
كتبت أغاني عديدة، لنفسي. لم أسجلها بعد، ولم أعرضها على شركات الإنتاج، لأن هذه الأْعمال تحتاج إلى عمل تمهيدي "ديمو" لعرضها، يعني تكاليف تسجيل ومونتاج واستديو، وبصراحة أخاف من فشلها لعدة عوامل، ومن ثم أكون جازفت بالمصاريف، وأنا أنتظر أن تأتي الأمور بشكل طبيعي من دون دفع أو استعجال لإصدارها.
كلبناني أعمل في الموسيقى البحتة أمر صعب. يعني إذا ما كان في الأمر "صرعة" أو "سلبِة"، لا يلفت الأنظار إليه. عملت موسيقى للنوادي الليلية وللرقص، وجدت النجاح وكل من يسمعها يحبها، ولدي أفكار لم أنفذها بعد.
الموسيقى أخذتني منذ صغري ولا أعرف كيف؟ وما زلت أعتبرها تسلية. لدي إحساس إنني قادر على الاستمرار فيها من دون هاجس الخوف من تأمين حياتي.
إذن أنا متفائل بمستقبل الموسيقى، ربما ليست لدي رؤية لما سوف أكون عليه حين أبلغ الأربعين، فمازلت اليوم أعزف في فرق وفي أماكن عديدة، ولدي مشروع أسطوانة وتأسيس فرقة.
هناك موسيقيون موهوبون كثر مثل جو أشقر، أليكو حبيب، وغيرهما، ويعتبرون أقوياء في مجالهم، لكن لا أحد منهم "سوبر ستار"، لكن منهم من جمع الملايين!!!
جمال أبو الحسن
(مؤلف موسيقي وعازف بيانو)

حين يكون لدى المؤلف فكرة خاصة، من دون توصية أو طلب من جهة أو مؤسسة معينة ففي التنفيذ صعوبة. لكن في حال وجد المنتج، فالأمر محلول. أحتاج فقط للوقت، والميزانية هي التي تخولني الكتابة والتأليف لآلات موسيقية أو لحجم الأوركسترا مثلاً، وهنا لن تشغلني التكاليف أو تحدّ من أفكاري.
العروض التي أقدمها أتبع فيها تقنية الليزر وما يرافقها من تقنيات الصوت والإضاءة، من هنا حين أودّ تقديم عرض موسيقي في لبنان تواجهني مشكلات عديدة، غير تلك التي تتعلق بالوقت والتفرغ. مثلاً لدي مشكلة أساسية مع العازفين. ليس لدينا عازف يمكن أن يشارك في عمل من دون مقابل وهذا من حقه كون العزف مهنته، لكن هناك مبالغة. كلٌّ لديه همّ المادة في الدرجة الأولى. ومعظمهم لا يمتلكون روح التضحية والتعاون مع المؤلفين الموسيقيين، وإيضاً مع بعضهم البعض ليخرج العمل بالجودة المطلوبة، ويتسابقون في من يوضع اسمه أولاً، وبحجم أكبر على البوستر أو الكتيّب وغيره.
في فيينا عندما كتبت موسيقى، كنا نجتمع أكثر من ثلاثين عازفاً وتمضي أربع أو خمس ساعات من دون أن يسأل أحد كم أمضينا من وقت وكم سينال على الساعة، ولم أدفع لموسيقي مقابل ساعات التمارين، وكان الجميع يشعر بأنه صاحب العمل من دون تعالٍ أو تسابق على البروز والمادة. فيما هنا ساعة العازف لها تسعيرة، البروفة دولار، وإذا كانت حفلتين فتصبح دولار عمل مدته ربع ساعة يكلف أو خمسين ألف دولار. من هذا الرقم يمكننا معرفة أن من المؤلفين وضعوا موسيقاهم في الأدراج في انتظار الفرج، المتمثل في دعم دولة أو مؤسسة كبيرة.
ما نشهده في الخارج أن المؤلف لا يسعى إلى جلب موسيقيين ليكتب موسيقى لعمل ما. بل المتبع إن شركات الإنتاج، الدولة أو الوزارة هي التي تدعم لإنهاء المشروع لمناسبة معينة، مثل حفلة، تسجيل أسطوانة. أما في عالمنا العربي فإن الطلب على موسيقى بحتة أمر نادراً ما يحدث من قبل دولة أو مؤسساتها.
بالنسبة لي أعتبر نفسي محظوظاً بعض الشيء، إذ لدي آلات موسيقية واستديو في البيت، لكن التسجيل لأسطوانة صعب ومكلف ويحتاج إلى منتج، وهذا يطلب منا أحياناً "ماستر" نسخة أصلية، أي أن تكون مطبوعة وجاهزة ليقوموا بتبنّيها وتوزيعها ولكي يزيحوا عنهم تكاليف التسجيل، وهذا أيضاً يفضله بعض الموسيقيين ويقوم به لكي لا تبقى أعمالهم طي الأدراج.
منذ أن عدت قبل سبع سنوات لم يأتني أي طلب لعمل موسيقي ضخم إلا بعض الجهات الثقافية التي تقدر الأعمال الجادة والتي ملّت من الأغنية ونجومها، مثل مهرجانات صور والشقيف وفي الآونة الأخيرة في زحلة كان لدي عرض موسيقي ضمن تقنيات الليزر والصوت والإضاءة التي كلفت مصاريف جدية وتم التحضير لها مدة شهرين وكانت بلدية زحلة وبعض المنتجين ساهموا فيها. وكذلك في فالوغا، دفعت بلديتها الصغيرة تكاليف العرض وبهذا نجد أن قلة يقدّرون العمل النظيف الجديد والمختلف. وقد حضر بعض العروض، المجانية، سبعة آلاف شخص.
في أميركا طلب مني منذ سنة تقريباً، كتابة عمل موسيقي مستوحى من الموسيقى العربية، فيه لمسات من المقامات. ودفعوا لي مقدماً ثمن العمل، ومدته دقيقة كتبته لأوركسترا سيمفوني. وحين عُزفت المقطوعة، دفعوا ثمن الحقوق لـ"جمعية حقوق المؤلف"، وسجلوها على أسطوانة وأرسلوها إليّ. فيما هنا نتوسل الفرق السيمفونية العربية لعزف المقطوعات حتى من دون مقابل، وإذا استجابوا فعليك أن تتحمل منيّة ، "جميلة" عزفهم لها. فيما يعزفون الكثير لمؤلفين أجانب، كائناً من كان، ويضعوه على رؤوسهم من دون تردد. في حالة واحدة ربما يشجعون الموسيقي العربي، وذلك حين ينجح في أوروبا، فيركضون وراءه.
أما من ناحية الإعلام، فإن الموسيقى البحتة غير مطلوبة إلا نادراً ولظروف معينة، والتلفزيونات أو المحطات المرئية والمسموعة، لا تجازف لدعم الموسيقى، ولو أنها فعلت وقامت بعمل دعاية للموسيقى توازي الدعم والدعاية اللتين تقدمهما للمغنين فبالتأكيد سينجح الأمر وستنتشر الموسيقى وستلاقي الرواج، والعكس من دون المجازفة والدعاية والتبني. في لوس انجلس ثلاث محطات راديو متخصصة للموسيقى الكلاسيكية والعصرية، غير البوب والروك والجاز وغيرها. في لبنان نتمنى وجود ولو محطة تبث موسيقى جادة أو تقليدية، والتلفزيون حدّث ولا حرج.
أهم الحفلات الموسيقية في العالم لا نراها على محطاتنا، وربما بالصدفة نعثر على شيء منها وفي أوقات ميتة. لكن أعتقد أن الأمر لن يبقى كما هو. أصبح لدينا دم جديد وشباب واعون لما يحدث في العالم من خلال الأنترنت والاتصالات. يعرفون الجيد من الرديء لذلك كل شيء سيتغير، لكن نحتاج إلى وقت، وعلى الموسيقي أن لا يستسلم للواقع أو لليأس.
أستمر لأوصل موسيقاي وإن بصعوبة إلى الجمهور. من المؤسف أن يعمل الموسيقي في مهنة أخرى من أجل العيش، إذ من الضروري أن يتفرغ لمهنته ليبدع فيها. شخصياً لا أتكل من ناحية المعيشة على التأليف الموسيقي. لكني أعمل في الاتجاه نفسه، إذ أدرّس الموسيقى وأكتب بعض الوصلات الموسيقية للتسويق أو لأسطوانات في الخارج، إذن للموسيقي هوامش عديدة للحركة ضمنها، شرط أن لا يعتمد على الناس أو ينتظر الفرج من الله، بل يتصل ويرسل أعماله ويلاحق الأمور وتكوين علاقات مع الجهات المختصة، يعني باختصار أن يسوّق أعماله بنفسه. وفي النهاية أنا متفائل. صحيح أصل أحياناً إلى مرحلة التشاؤم. لكن أعود وأفكر وأتحرك وآمل ولو واحد بالمئة. وهكذا كمؤلف موسيقي حين أسمع أعمالي ولو لوحدي أو مع أصدقائي ومجموعة صغيرة من المتذوقين فإني أشعر بالاكتفاء وأستمر بالانتاج.
زياد الأحمدية
(مؤلف موسيقي وعازف عود)

هناك أمر مؤسف في العمل ضمن الفرق الموسيقية وهي مسألة اللااستمرارية كعمل يومي أو أسبوعي بمعنى التفرغ. لا مدخول يكفي الموسيقيين من هذه الفرق، بل غالباً يدفع أعضاء الفريق من جيوبهم الخاصة، تكاليف التلفونات والتنقلات، وصيانة الآلات وما يتبعها من تكاليف كبيرة أحياناً، وتفاصيل هذه كثيرة لا مجال لذكرها هنا. ناهيك عن عدم وجود عقود ملزمة لأعضاء الفريق، بل الالتزام ناجم من عشق للموسيقى فحسب.
من هنا اضطرارهم للعمل في عدة فرق وأحياناً في عروض ربما يكونون غير راضين عنها لكنها مادياً جيدة وتؤمن لهم سدّ بعض ثغرات المعيشة. وعلى سبيل المثال، الكثير من الموسيقيين والعازفين يسكنون في مناطق بعيدة عن بعضهم البعض، فأضطر أحياناً إلى إجراء تمارين مع البعض في وقت معين، ثم لقاء آخرين في أوقات أخرى.
بالنسبة للحفلات فإنها تخضع أحياناً لبعض المناسبات الوطنية، والجهات المنظمة، وغالبية هذه الجهات الوطنية أو الثقافية لا تستطيع تمويل الفرقة بكاملها، مما يجعل الأعضاء غير ثابتين، أحياناً أكثر من عشرة، وأحياناً اثنين، تبعاً للميزانية المقدمة من الجهة الداعية.
التحضير للبرنامج يتم مع الأخذ بالاعتبار آراء الأعضاء من موسيقيين، وبالاتفاق يوضع الترتيب وربما أحياناً يخضع الأمر لأجواء الحفل الآنية.
هناك مشكلة تواجهني شخصياً وهو أن الجمهور اعتاد سماع أغانٍ أو مقطوعات بعينها مني ومن الفريق فيطلبها مراراً، وأصبحت أتوق إلى الخروج من بعض هذه الأنماط التي يحاول الجمهور حصري بها فأؤدي مقطوعات موسيقية جديدة غير مسموعة إلى جانب المعروف منها. وأنا أعشق أداء الأغنية وكذلك الموسيقى، وأعتبر أن الجمهور الذي يستمع للأغنية لا يقل أهمية أحياناً عن الجمهور الذي يستمع إلى الموسيقى، ولا ننسى نحن شعب نحب الكلام عموماً، لكني في حفلاتي أقدم الموسيقى دائماً إلى جانب الأغنية.
في كل مرة أتخيل أنني أكتب موسيقى كما أريد على أمل أن توزع وتسجل كما تخيلتها، لكن التكاليف تقف حجر عثرة في وجهي وأعود إلى الواقع. فأكتب موسيقى لعمل معين حسب الحفلة أو ربما للتسجيل أكتب لبعض الآلات أكثر من الحفل الذي غالباً ما أجد صعوبة في تنفيذ الموسيقى فيها كما هي مكتوبة في الاسطوانة.
اعتدت الاستماع إلى أنماط موسيقية عديدة، لا أقف عند لون واحد: جاز، روك، كلاسيك، حديث، لاتيني، شرقي قديم وحديث وغيرها. كل لون له جمالية، ونكهة. صار لدي مخزون جيد على ما أعتقد، وحين أكتب موسيقى أجد فيها أجواء مختلفة ومختلطة لا تحدّها هوية معينة، والمقطوعات بعيدة عن بعضها البعض، لكنها تحمل نفساً واحداً، وبخاصة حين تحوي ميلودية جميلة، توزع بشكل جيد ومتقن.
أنا مع استخدام التقنيات الغربية كالهرمونيا والتوافقات، وكذلك التوزيع الآلي وكما قلت الموسيقى لا يحدها إطار أو حدود. ويمكن أن تكون غزيرة ومتنوعة ولا يمنع أن يكون فيها عزف منفرد على آلة معينة.
ومن ناحية البحث عن منتج لأسطوانة موسيقى بحتة، فهو أمر صعب جداً هذه الأيام، فالمنتج يشترط موسيقى معينة. بالنسبة لي أسطوانتي الجديدة تتضمن أربع أغنيات وخمس مقطوعات موسيقية، والمنتج طوني صفير مؤسس شركة "C D Theque"، الذي ساهم معي في إنتاج الأسطوانة، هو ربما شخص نادر مثيله اليوم، فهو يساعد الكثير من الموسيقيين على إصدار أعمالهم بالتعاون معهم، لَفت نظري إلى مسألة الموسيقى في الأسطوانة وربما ستؤثر على رواجها، لكن من دون أن يفرض عليّ أية شروط.
ما يدفعني إلى الاستمرار هو حب الموسيقى، وقناعتي بأنني قادر في مكان ما على التأثير إيجابياً بالذوق العام، وأجد لدي الفرصة لإيصال هذه الموسيقى بطريقة جيدة ونظيفة، وبالفعل بعض الشباب وجد لدي جملة يحب سماعها. والأمر الأكيد أن نسبة كبيرة من الجيل اليوم ترفض الموجود في السوق وتبحث عن الحل الوسط البديل سواء أغنية أو موسيقى ليحل محل السائد. فنجد ازدياد جمهور الجاز مثلاً وكذلك جمهور الارتجال الحرّ لذلك على وسائل الإعلام أن تعي هذه المسألة وتأخذها بعين الاعتبار فتخصص فترات للألوان البديلة من الأغاني المستهلكة والفيديوكليبات المكررة.
فهد رياشي
(مؤلف موسيقي وعازف عود)

أحدث موسيقي دخل هذا المجال المتعب، يتحدث بأمل حول الصعوبات الأساسية، يقول:
ـ ليست صعوبات وإنما هي عراقيل قد تدفع الموسيقي إلى الأمام وأحياناً كثيرة إلى الوراء.
أولاً صعوبة التقاء الآراء حول عمل معين أو نقطة ما في العمل، بالطبع لتعدد الآراء إيجابية لا شك فيها فهي تلوّن الأداء والعزف نتيجة اختلاف بيئة كل عازف أو موسيقي وسماعه وخلفيته الثقافية ووعيه الفني، أحياناً تسبب هذه الخلافات الانفصال وبعد ذلك قد يعودون حين يكتشفون أن تعدد الأفكار تضيف تنوعاً إلى العمل.
التفرغ غير وارد خاصة في لبنان والعالم العربي إذ لا تقدير لفكرة الفنان. يسألونك ماذا تعمل؟ تقول: فنان. يقولون وماذا بعد؟ في الخارج لا مشكلة. المسائل محلولة وواضحة، احتراف وتفرّغ كلي. نحن الشباب ما بين و نعاني جداً في هذه المرحلة المفصلية والتي تقرر مصيرنا العلمي والمهني. إذ نعتمد كلياً على ذوينا للمعيشة، ونحن ما نزال في مراحل دراسية مختلفة لكن لدينا الهاجس الموسيقي الذي نتحرق للتفرغ له، لكن مستحيل. وفي حال أردنا الغوص فيه ليكون مهنة للعيش قد يدخلنا إلى مطارح غير مرغوبة تستهلك الفنان وتغسل دماغه. أنا شخصياً لدي مشكلة ومعاناة مع الواقع. لا يمكنني العيش من الموسيقى مع أنني قادر على ذلك لو قررت. إذ لا أجد نفسي في موسيقى لا أحبها، لكن عليّ أن أجرب فمن دون تجارب يتوقف الإنسان في مكان ما.
حالياً أدرس هندسة الاتصالات والكمبيوتر، التي أحبها أيضاً، ومن خلالها ربما سوف أستطيع تأمين المعيشة ومن ثم أكمل في طريق الموسيقى وخاصة العود. أعلم أن العمل الموسيقي لكي يختمر وينضج يحتاج إلى وقت، من هنا إلى جانب ممارسة الموسيقى أدرس الهندسة كي لا أضيع الوقت.
الأمسيات الموسيقية في لبنان جيدة من ناحية تشجيع الجمهور، والحضور، وكذلك هناك طلب على الأمسيات الموسيقية ولو ضئيل والجمهور هو نفسه لا يتغير إلا بتغير المناطق. والحفلات غالباً من دون مردود، إلا فيما ندر فهناك تكاليف تدفع أحياناً في غير محلها، مع احترامي للجهات المنظمة.
في المقابل يبدو هناك ردة إلى الموسيقى دون الغناء لذا لا مشكلة في إيجاد شركة إنتاج. المهم أن أقدم عملاً لائقاً جيداً ومتقناً ومقنعاً، والجمهور يفرّق بين الجيد والرديء.
هناك مسارح ومؤسسات مثل "مسرح بيروت" على سبيل المثال، أعتبره حالة استثنائية فهو يحتضننا بشكل دائم ويشجع الشباب الذين يحملون أفكاراً تجديدية، لا يطالبنا بأي مقابل للتمارين أو لإقامة الحفلات، ونتمنى أن تحذو مسارح أخرى حذوه لإنعاش الحركة الموسيقية الشبابية في البلد.
حتى الآن أدرس الهندسة كما قلت لأنها ستؤمن لي الجانب المادي، وإلى جانبها الموسيقى، كما يقولون في العبارة المستهلكة، "غذاء الروح"، وتلح عليّ أحياناً لألبي نداءها فأحيي أمسيات مع مجموعة صغيرة أطرح عليها الفكرة الموسيقية، أو التي تكون مفتاحاً لعمل موسيقي ولا أجد صعوبة في إيجاد شباب يلبون دعوتي للمشاركة، بعد التحضير للفكرة طبعاً وهذه طريقتي حتى الآن بانتظار أن أقوم بدراسة التأليف الموسيقي في القريب، يعني حتى الآن أعتمد على إحساسي بجمالية فكرة موسيقية ما، أكثر من تقنيتها.
أنا متفائل إذ أجد ترحيباً من الناس بالموسيقى، صحيح ليس بحجم ذلك الذي تناله الأغنية لكن الجمهور يكبر ونجد منتجين يؤمنون بالموسيقيين الشباب ويساهمون معهم في إنتاج أعمالهم مثل "C D Theque" وموزار شاهين وربما آخرون، والأمر ليس محبطاً إلى الدرجة التي يصورها البعض، وأنا لن أتغير عنها أو أتحول إلى الأغنية الاستهلاكية إلا إذا تغيرت أنماط الاستهلاك، مثلاً أن تصبح الموسيقى هي النمط الاستهلاكي في السوق.
الاستمرار ليس نتيجة دافع بل حاجة طبيعية للتعبير وكل إنسان يعبّر حسب الطريقة التي يجيدها أو يحسن التعبير بها.
وعلى الرغم من أننا اليوم منغمسون نفسياً واجتماعياً في ضغوط الحياة المختلفة من حروب اقتصادية وسياسية، إلا أنني مع ذلك متفائل. هناك من يسمع موسيقى ويطلبها أكثر من قبل، وأرى أن المستقبل للموسيقى بعد انحسار الأغنية، فالإنسان بحاجة إلى سماع موسيقى جيدة ليتأمل ويفكر ويهدأ، وأنا أتجنب الدخول في لعبة ماذا يريد الجمهور، بل أفتش عن المعادلة التي أوفق فيها بين أذواق الناس وذوقي من دون التنازل أو الخطأ بحق نفسي.

ارسل هذا المقال الى صديق اطبع هذا المقال



 



 

 
الصفحة الأولى | شؤون لبنانية | المستقبل الإقتصادي | شؤون عربية و دولية | رأي و فكر | ثقافة و فنون | رياضة | الصفحة الأخيرة
ملحق المصارف ... | رياضة | بزنس | شباب | أهْوَاء | ارشيف و بحث | نوافذ | PDF A4 Version | PDF Full Version
 contactus@almustaqbal.com.lb : اتصل بنا
الشركة العربية المتحدة للصحافة - جريدة المستقبل - © جميع الحقوق محفوظة 2005